هل باع الفلسطينيون حقا أرضهم لليهود

هل باع الفلسطينيون حقا أرضهم لليهود!

إنْ كان هذا الإدعاء صحيحا فلماذا ارتكزت هجرات اليهود على فكرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" مُعتبرةً أنه لا يوجد شعب في فلسطىِن! وأن من حق اليهود الذي لا يملكون أرضاً أن تكون هذه الأرض لهم!

سنفند في هذا الثريد واحدة من أكثر الكذبات غباءً والتي حاول الصهاينة وأتباعهم التسويق لها لشرعنة إحتلالهم!



‏1- انا كمواطنة سعودية يؤلمني كثيرا اتهام الفصباح أجهزة مخابرات إسرائيلية يتسترون وراء أسماء ومعرّفات عربية ويبثون سمومهم كي يشوهو صورة العربي الفلسطيني صاحب الارض والحق ولكن هناك الكثير ممن يصدقون هذا الافتراء الكاذب



‏2- هناك من يؤمن ويصدق هذه الافتراءات التي تجد لها رواجا وقبولا، وأيضا فإنه من العار أن يكون الإيمان بها عربيا أقوى من الإيمان بها صهيونيا؛ فالصهاينة لم يزعموا أن الأرض التي يغتصبونها قد اشتروها بالمال، حيث أن حجتهم في الاحتلال والاستيطان بوحشية السلاح تتستر وراء ادعاء بحق ديني في تملكها بالدرجة الأولى.

3- لكن ودي أسألكم سؤال هل يوجد من الفلسطينيين من باع أرضه أو بيته لمستوطنين يهود؟

بلى، ففي أي بلد يقع تحت الاحتلال ثمة من يسقط في وحل الخيانة، فيتحول إلى جاسوس على شعبه وعينا تنقل الأخبار إلى العدو، وثمة من يبيع ما يملكه بدوافع مختلفة، ولكن كم نسبة هؤلاء؟ وإذا قلنا للحركة الصهيونية خذي ما تم شراؤه، واتركي ما تم احتلاله بالقوة فكم سيبقى لها؟ حقيقة لن يبقى شيء يذكر فما تم شراؤه لم يبلغ حتى 1% من المساحة الكلية .. هذا ناهيك عن عمليات الاحتيال في عمليات البيع بحيث يظن البائع أنه باع لابن شعبه وإذ بهذا وسيط للعدو، وهذا ما يسمّى عندنا بالتسريب.



‏4- ولكن حتى نكون عادلين ومنصفين مع أشقائنا هناك كثير من الفلسطينيين الذين عرض عليهم بيع قطعة أرض صغيرة أو بيت قديم بمبالغ من ذوات الأصفار الست أو السبع فأبوا ولو قبلوا لتملكوا بها عقارات/متاجر/مزارع/شركات في حواضر العالم الغربي بل والعربي .. وهو ما نراه في مدينة القدس عاصمة فلسطين الابدية اين رفض عدة مواطنين عرب بيع منازل صغيرة عتيقة بملايين الدولارات!


‏5- ولو عدنا للتاريخ لنكشف ان اليهود في زمن ما بفلسطين كانو عراة حفاة وعددهم لم يصل حتى 1000 يهودي سنستذكر رحلة الثري البريطاني، يهودي الديانة، السير "موسى مونتيفيوري" إلى فلسطين عام 1827، قاصدا استكشاف مواقعها ومعرفة أحوال بني ديانته؛ ليفاجئه واقعهم، بوجود نحو 500 يهودي في حالة مُريعة من الفقر والانحطاط، مُوزَّعين بين تل القاضي شمالا وبئر السبع جنوبا، الأمر الذي أثار حفيظة "مونتيفيوري" وحزنه، ودفعه للتوجُّه إلى الباب العالي للدولة العثمانية، طالبا الإذن بتشييد عدد من الملاجئ لإيواء هؤلاء اليهود المطحونين وهو ما حدث



‏6- لم يستغرق الأمر كثيرا حتى تمكَّن "مونتيفيوري" من تملُّك أول قطعة أرض يهودية في فلسطين، "نتيجة تدخُّل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، ليُصدر السلطان فرمانا سنة 1849 يُجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة"، ويقوم "مونتيفيوري" بتشييد أول مستعمرة يهودية على أرض تقع خارج سور البلدة القديمة بالقدس، التي لم تلبث أن اعتُرِف بها رسميا من السلطات العثمانية مع صدور قانون استملاك الأجانب عام 1869؛ لتُوضَع بها نواة أول حي يهودي في فلسطين.



‏7- وخلال الحكم العثماني صدر قانون تملك الأجانب للاراضي في فلسطين وكان هناك ثلاث فئات كبيرة من الملّاك: الرأسمالية المحلية لأثرياء فلسطين، والرأسمالية العربية للعائلات الكبرى، التي كان جلها من لبنان وسوريا، والرأسمالية الأوروبية الصهيونية بنسبة أقل، حيث استطاعت عائلات شامية ولبنانية أن تستحوذ على مساحات شاسعة من أراضي فلسطين، كعائلات "سرسق"، و"العمري الدمشقية"، و"القباني"، و"العكراوي"، وغيرهم، بواقع 57 ألف دونم للعائلات الشامية، ونصف مليون آخرين للبنانيين، إلى جانب بعض الأفراد من تابعية عثمانية كـ "بهائي إيراني" من إيران و"الكونت شديد" من مصر.



8- ولكن تبقى عائلة "سرسق" اللبنانية، المنحدرة من الروم الأرثوذكس، صاحبة النصيب الأكبر والدور الأبرز في تحويل هوية الأراضي فيما بعد من كونها عربية إلى يهودية مُتسلِّلة، حسب رواية "إميل الغوري" بأنهم باعوا نحو 400 ألف دونم لليهود، بما فيها ملكيتهم في مرج بني عامر.


‏9- كما ان تغوُّل رأس المال الصهيوني، بشقَّيْه الفردي والجماعي، الذي ظهر مع قانون تملك الأجانب كان له دور كبير في السطو على الاراضي، وهو ما قام به "مونتفيوري" وغيره من الرأسماليين كالبارون الفرنسي "إدموند روتشيلد" أغنى أغنياء اليهود، الذي أسَّس أول مدرسة زراعية على أرض قرية "يازور" في يافا بعدما نال حق استئجارها لتسعة وتسعين عاما بفرمان عثماني آنذاك!



‏10- بخلاف هذا النوع، الذي شمل العديد من المستوطنات المبكرة، برزت "الصهيونية العملية المتطورة" ذات التوجُّه ورأس المال السياسي، القائم على الاستيطان البطيء، والفعال على المدى البعيد. وقد هدف هذا النوع إلى تحقيق الارتباط للمستوطنات القديمة لكون تشظّيها الحالي يعوق حلم الوطن القومي المنشود، وهو ما حمل لواءه شيخ الصهيونية ومُنظِّرها الأكثر موهبة "مناحم أوسشكين".




‏11- وقد لاحظ هذا الصهيوني الخبيث حينها أن أحد العوائق أمام الحلم اليهودي يكمن في استمرار عمل الفلاحين العرب في المستوطنات اليهودية، وهو ما أغضب "روتشيلد" كثيرا، فعمل عليه "أوسشكين" في مؤلفه "برنامجنا"، الذي قال فيه: "كل أمة تسعى وراء كيان سياسي مستقل حر يجب عليها توصُّلا لغايتها هذه أن تراعي ثلاث حالات ضرورية: حالة الشعب، وحالة البلاد، والظروف الخارجية". وذلك بأن تكون الأراضي تحت سيطرة الشعب وإيجاد علاقة روحية بينه وبينها، بالإضافة إلى توفير برنامج سياسي لاستمالة الرأي العام الأجنبي لحركة هذا الشعب.


‏12- وخلص "أوسشكين" إلى نتيجة مفادها أنه لكي تتحقق ملكية أرض فلسطين للشعب اليهودي فإنه لا بد من خطوتين جوهريتين: شراء هذه الأراضي من مالكيها، والاهتمام بأن يستوطن اليهود هذه الأراضي بالفعل لا أن يتركوها للعمالة العربية. لهذا الغرض تأسست المؤسسات اليهودية لتفعيل الشراء بكميات أكبر وإغراءات أفضل، وعلى رأسها "صندوق الائتمان اليهودي – يكت" و"الشركة البريطانية الفلسطينية – بنك إنك" و"الصندوق القومي اليهودي – كيرن كاييمت" و"صندوق تأسيس فلسطين – كيرن هيسود".


‏13- مع هذا، ومع شدة إغراءات المؤسسات اليهودية للملاك من العرب أو حتى الأراضي المُستأجرة لأمد طويل من الحكومة العثمانية -وفق قانون الأجانب-، لم تتعد ملكية اليهود حتى إحلال الانتداب البريطاني للحكم العثماني عام 1914 حوالي 1% تقريبا، من مساحة فلسطين الكلية، وهو رقم لا يمكن تخيُّله بالمقارنة مع أملاك العرب من الأرض، ولهذا كان للانتداب البريطاني رأي آخر بمضاعفة هذا الرقم،



‏14- حرصت بريطانيا أن يكون تدخُّل حكومتها الانتدابية مباشرا وسريعا بقدر الإمكان، وهو ما لم يكن ليحدث دون إعادة هيكلة البنية التحتية للبلاد لتمكين القوات الاستعمارية من سيطرة أكبر وأكثر ترابطا على أنحائها المتفرقة.


15- لهذا السبب بدأت السلطة الاستعمارية العمل في اتجاهين متوازيين: تطوير شبكة المواصلات والاتصالات، وبناء جهاز مالي لتمويل نشاطاتها محليا، فتتمكَّن بسبب الاتجاه الأول من حصر ومسح جميع الأراضي والقرى -ومن ثم تحويل ما يمكنها تحويله إلى الملكية اليهودية-، وتستطيع من خلال التطوير الثاني أن تدعم نشاطاتها المحلية في تعزيز الجهد الاستيطاني والتوجُّه نحو فلسطين يهودية.



‏16- وقد جاء نموذج فلسطين يهودية نتيجة لغياب إدارة التنمية الوطنية التي تُمثِّل الأغلبية السكانية العربية في فلسطين أثناء تلك الحقبة، إذ نجح الانتداب البريطاني في تهميش أي وجود عربي، بل ودعم المشروعات الصهيونية على حساب المشروعات العربية، حتى لو سبق بالفكرة نفسها مستثمر عربي.



‏17- لذلك هنا سنعرف أنو البريطانيين والحركة الصهيونية صاغو عدة قوانين على مقاس اليهود (قانون استثمار، شيوع، قانون غابات، قوانين نزع الاراضي من الفلاحين الفلسطينيين، مصادرة، وغيرها) وهذا حتى يساعدو الصهاينة على أخذ الأراضي الفلسطينية العربية ومنحها لليهود بطرق خبيثة.

كما مكَّنت هذه القوانين كذلك اليهود من السيطرة على الهيكل التحتي للاقتصاد الفلسطيني (الثروات في باطن الأرض) مما أدى إلى انهيار شبه كلي في الاقتصاد العربي الفلسطيني.



18- وفي نهاية الثريد أتمنى اني أكون قد وفقت ولو قليلا في دحض مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، والتي هي فكرة صهيونية رائجة، روَّجت لها الحركة على يد أكبر قادتها كـ "إسرائيل زانجويل" و"ثيودور هيرتزل" وغيرهما، نتج عنها تشويه لصورة العربي الفلسطيني اللي تعرض لكل أشكال الاضطهاد.


19- لكن تبقى حقيقة بسيطة غائبة عن هذه الدعاية الرائجة وهي أن فلسطين لم تكن أرضا بلا شعب، هذا هو الأمر بكل بساطة؛ لأن قرابة مليون ونصف مليون إنسان كانوا يشغلون تلك الأرض التي اغتصبت إسرائيل المزعومة غالبيتها بحجج، من ضمنها أنها اشترت أرض الأجداد.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقا ايجابيا